مجد الدين ابن الأثير
418
المختار من مناقب الأخيار
في مثل هذا اليوم الشديد حرّه ، وأنت صائم في هذه الشّعاب في آثار هذه الغنم ! وبين الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم ! فقال الرّاعي : أبادر أيّامي الخالية . فعجب ابن عمر ، فقال : هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها ، ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه ، ونعطيك ثمنها ؟ فقال : إنّها ليست لي ، إنّها لمولاي . قال : فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب ؟ فمضى الرّاعي ، وهو رافع أصبعه إلى السماء ، وهو يقول : فأين اللّه ؟ قال : فلم يزل ابن عمر يقول : قال الراعي : فأين اللّه ؟ فما عدا أن قدم المدينة ، فبعث إلى سيّده ، فاشترى منه المواشي والرّاعي ، فأعتق الرّاعي ، ووهب له الغنم « 1 » . * * * وقال محمد بن المنكدر : إنّي لفي ليلة مواجه هذا المنبر جوف الليل أدعو ، إذا بإنسان عند أسطوانة ، مقنّع رأسه ، فأسمعه يقول : أي ربّ ، إنّ القحط قد اشتدّ على عبادك ، وإنّي مقسم عليك يا ربّ إلّا سقيتهم . قال : فما كان إلا ساعة إذا بسحابة قد أقبلت ، ثم أرسلها اللّه عزّ وجلّ ، وكان عزيزا على ابن المنكدر أن يخفى عليه أحد من أهل الخير ، فقال : هذا بالمدينة ولا أعرفه ! فلمّا سلّم الإمام تقنّع وانصرف ، واتّبعته ، ولم يجلس للقاصّ حتى دخل « 2 » دار أنس ، فدخل موضعا ، فأخرج مفتاحا ، ففتح ثم دخل . قال : ورجعت ، فلمّا أصبحت أتيته فإذا أنا أسمع نجرا في بيته ، فسلّمت ثم قلت : أدخل ؟ فإذا هو ينجر أقداحا يعملها ، فقلت له :
--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 188 . ( 2 ) في ( ب ) : حتى أتى .